ابو القاسم عبد الكريم القشيري

235

لطائف الإشارات

ويمحو عن قلوب العارفين الحظوظ ، ويثبت بدلها حقوقه تعالى ، ويمحو عن قلوب الموحّدين شهود غير الحق ويثبت بدله شهود الحق ، ويمحو آثار البشرية ويثبت أنوار شهود الأحدية . ويقال يمحو العارفين عن شواهدهم ، ويثبتهم بشاهد الحق . ويقال يمحو العبد عن أوصافه ويثبته بالحقّ فيكون محوا عن الخلق مثبتا بالحق للحق . ويقال يمحو العبد فلا يجرى عليه حكم التدبير ، ويكون محوا بحسب جريان أحكام التقدير ، ويثبت سلطان التصديق والتقليب بإدخال ما لا يكون فيه اختيار عليه على ما يشاء . ويقال يمحو عن قلوب الأجانب ذكر الحق ، ويثبت بدله غلبات الغفلة وهواجم النسيان . ويقال يمحو عن قلوب أهل الفترة ما كان يلوح فيها من لوامع الإرادة ، ويثبت بدلها الرجوع إلى ما خرجوا عنه من أحكام العادة . ويقال يمحو أو ضار الزّلّة عن نفوس العاصين ، وآثار العصيان عن ديوان المذنبين ( ويثبت ) « 1 » يدل ذلك لوعة النّدم ، وانكسار الحسرة ، والخمود عن متابعة الشهوة . ويقال يمحو عن ذنوبهم السيئة ، ويثبت بدلها الحسنة ، قال تعالى : « فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ » . ويقال يمحو اللّه نضارة الشباب ويثبت ضعف المشيب . ويقال يمحو عن قلوب الراغبين في مودة أهل الدنيا ما كان يحملهم على إيثار صحبتهم ، ويثبت بدلا منه الزهد في صحبتهم والاشتتغال بعشرتهم . ويقال يمحو اللّه ما يشاء من أيام صفت من الغيب « 2 » ، وليال كانت مضاءة بالزلفة والقربة ويثبت بدلا من ذلك أياما هي أشدّ ظلاما من الليالي الحنادس « 3 » ، وزمانا يجعل سعة الدنيا عليهم محابس .

--> ( 1 ) سقطت هذه اللفظة من الناسخ . ( 2 ) من ( الغيب ) يكون المعنى أن الأيام التي كانت تمنح لهم من الغيب صافية ، ولكننا لا نستبعد أنها قد تكون ( الغيم ) على معنى خلو تلك الأيام من كل كدورة بدليل المقابلة التي وردت فيما بعد . ( 3 ) جمع حندس أي شديد السواد .